عماد الدين خليل

39

المستشرقون والسيرة النبوية

3 مع بداية القرن ، ونجاح الثورة البلشفية في روسية ، بدأ يطل موقف جديد إزاء رسولنا عليه الصلاة والسلام ، وتاريخنا الإسلامي بعامة ، ينبثق عن التفسير المادي للتاريخ ، ويسعى إلى إخضاع حقائق السيرة لمقولاته الصارمة . . يفصلها على مساحات منهجه المرسوم سلفا . . يقطع أوصالها لكي يرفض وينفي ويستبعد ما لا ينسجم ومطالب هذا المنهج ، ويأخذ ويستبقي ما ينسجم وهذه المقولات . . وتحسب ما يأخذ مما يدع فلا يعدو أن يكون واحدا من عشرة في حساب الأرقام . وإذ كانت وقائع السيرة تتأبّى على تحليلهم ومحاولاتهم القسرية ، فإنهم يزدادون شططا في التقطيع والتمزيق وفي التفسير والتأويل ، حتى لقد وصل الأمر بهم إلى أن يبلغوا حدّ المجّانيّة في التعليل والتحوير لتحقيق التطابق المرتجى بين الوقائع والفلسفة . الأمر الذي جعل أحدهم ينقض رأي الآخر وينحرف بتحليله في اتجاه نقيض تماما ، على الرغم من أنهم تلامذة مدرسة واحدة ، ورؤية مشتركة للتاريخ ، ولكن لا بأس ؛ فما داموا من المؤمنين بفلسفة النقيض فليتصد أحدهم للآخر ، ولينقض بعضهم رأي الآخر ، فلابدّ أنهم واصلون يوما قصدهم المرتجى . لننظر على سبيل المثال إلى بعض ما قالوه ، وهو كثير بصدد سيرة رسولنا محمد صلى اللّه عليه وسلم : « لقد رأى بعضهم أن المجتمع العربي ( في مكة والمدينة ) شهد بداية تكوين مجتمع يمتلك الرقيق ، بينما يرى ( بيجو لفسكايا ) أن القرآن يشعر بتركّز مرحلة ملكيّة الرقيق ويذهب مع ( بلاييف ) إلى أن المرحلة الإقطاعية هي من آثار اتصال العرب بالشعوب الآخرى . هذا ويرى آخرون أن المجتمع الإقطاعي بدأ بالتكون فعلا ، ويتبع هذا قلق في التفسير ؛ فمنهم من يرى أن الإسلام يلائم مصالح الطبقات المستغلّة الجديدة من ملاك